مستقبل التعليم ومسؤولية الأسرة

البوصلة/ المدرسة النموذجية

أحمد شمس الدين، متخصّص في الهندسة المعلوماتية، فدوى فرحات شمس الدين، ماجستير دراسات حول الطفل
{يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْليكُمْ‏ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَة} (التحريم، 6)
الرسالة التي يحملها المقال
الهدف العام من هذه المقالات (المقال السابق تناول تاريخ العلم وهدف المؤسسة المدرسية) هو تحرير مفهوم التعليم ومناهجه وأساليبه وعدم حصره بأنماط وقوالب ظرفية من خلال تعريف القارئ على بعض النماذج غير التقليدية وتقديم تصور جديد حول التربية والتعليم يعيد المركزية للعائلة في تحمل مسؤولية امتلاك رؤية وخطة تربوية لأبنائهم، دون تفكيك مفهوم التربية بين تربية جسدية وتربية أخلاقية وتربية علمية وغيرها. فكما أن الأسرة مثلًا تعدّ هي المسؤولة عن صحة أبنائها وتغذيتهم (يرجع الأهل عادةً إلى العُرف وأهل الاختصاص لفهم حاجات أولادهم الغذائية، ويعتنون بأنفسهم بتأمين الأغذية اللازمة وسلامتها، فيتفحّصون المحتوى الغذائي للأطعمة التي تقدّم لأولادهم في البيت وخارجه، ويعتبرون أنفسهم معنيين بالدرجة الأولى بتحمّل مسؤولية غذاء الأبناء وإن استفادوا من بعض الأطعمة الجاهزة أحيانًا، لكنّهم لا يوكّلون أي جهة بتكفّل تغذية الطفل بالكامل) كذلك المؤمّل أن يكون الأمر في التعليم. وقد سئل الإمام الكاظم عليه السلام في قول الله عزّ وجل {فلينظر الإنسان إلى طعامه} ما طعامه؟ فقال عليه السلام: علمه الذي يأخذه، عمّن يأخذه.

في المقال السابق خلصنا إلى تحرير مفهوم التعليم من بعض مصاديقه الظرفية الضيقة، حيث عرضنا نبذة مختصرة عن الأطوار التي مرت بها حركة التربية والتعليم، وقد تبيّن أن المدرسة كنموذج معلّب معتمد من الدولة الحديثة ما هو إلا قالب خاص يعرض التجربة التعليمية والتربوية في إطار يتناسب وأهداف الدولة المدنية.
في هذه المقالة نشرح طبيعة التحوّلات والحاجات الاجتماعية والمعرفية المستقبلية، ونسعى إلى حثّ الأهالي الكرام على التعاطي مع مفهوم التربية والتعليم بأفق أوسع وإلى تشجيعهم على استرداد المسؤولية في انتخاب المنهاج التعليمي من الدولة إلى العائلة أو المجتمعات الصغيرة.

في الماضي، كان للعائلة محورية كاملة في تنشئة الأجيال الصاعدة وصناعتها، ولهذا كانت الأسرة الصغيرة تستعين بالعشيرة، وهي دائرة أوسع، لتسخير طاقاتها واستثمار إمكانياتها. كان الأرحام والأقارب أذرعًا وموارد للأسرة النواة، وكانت الحالة التراحمية تغطي الحاجات التربوية والتعليمية. في بعض الأحيان كانت تتوسّع الدائرة لتتعدّى قرابة الدم وتشمل عصبة من المؤمنين يتشاركون القيم. وقد بينّا كيف أن التربية الأخلاقية والتعليم والترفيه والمعاشرة الاجتماعية كانت تحضر مجتمعة من دون تفكيك في النموذج التعليمي القديم، كمثل أب يتناول الطعام مع ولده ويعلّمه الحساب من خلال إخباره كيف يعدّ النقود. وإن التفكيك الحاصل في يومنا وإن كان لا بد منه في بعض الأحيان إلا أنه طارئ وظرفي، ولا ينحصر مصداق التعليم فيه بالضرورة، ولذلك من الخطأ تعميمه بطريقة شمولية. إن اختزال ظاهرة التربية والتعليم في أي نموذج مهما كان متقدمًا أو معقّدًا سيحمل بذور محدوديته في ذاته باعتبار أننا بتنا نعيش واقعًا دائم التبدل.

في هذا المقال سينتقل التركيز إلى أهمية فهم التحولات الاجتماعية الكبرى التي بدأت في العقدين الأخيرين وآثارها البنيوية على شكل الحياة في السنوات القادمة. إن أي أسرة، ما لم تمتلك تصورًا أوليًا عن الحاجات والمهارات والتحديات والمخاطر التي يحملها الزمن الذي سيعيشه أبناؤها، ستعجز عن ممارسة دورها المركزي في تربية أبنائها وتحصينهم.

مدخل لفهم الزمن القادم ومتطلباته
حمل العقدان الأخيران مجموعة من التحولات الجوهرية للنسق الاقتصادي والاجتماعي عقب فقاعة الانترنت وظهور قطاع الداتا كأكبر قطاع اقتصادي في التاريخ.
يمكن لنا أن نوجز أبرز التحولات التي ترتبط بالتربية والتعليم في النقاط التالية:
1- أصبحت الداتا الشخصية المستخرجة من النشاط الفردي على الأجهزة الذكية مع النماذج والخوارزميات الذكية مرتكزًا جديدًا في فهم الإنسان وتحديد أفضل السياسات الاقتصادية معه.
على سبيل المثال: إن الداتا المستخرجة حول نشاطنا الشخصي على الفاسبوك تمثّل المادة الأساسية للذكاء الاصطناعي لتحديد نوع الأخبار السياسية والإعلانات الدعائية والأصدقاء المقترحين. بات المستخدم يمثّل بمجموعة من الأرقام التي تعبّر عن تصنيفه وشخصيته وكل ما يحتاجه البرنامج لتحديد سياسة التعامل معه بهدف جذبه لاستعمال الفاسبوك مدة أطول.
هذا المثل ينسحب إلى أمور أكبر وأخطر، وهو في جوهره يلغي اعتبار القواعد الكلية والقبْليات من قبيل "الإنسان العربي لا يحب المطالعة" أو "الغربي مادي بطبيعته"، ليضع السياسات على أسس متغيرة وديناميكية وغير قابلة للاختزال.
مثال آخر: في الماضي كنا نختصر أسباب النجاح في مهنة بمجموعة من القواعد والمهارات الذهبية التي قد ننجر إلى تعليمها في الطفولة أيضا. اليوم يرتكز فهمنا لأسباب النجاح على مجموعة من البيانات المحلّلة بشكل أتوماتيكي وهي قراءة لواقع وأرضية يصعب إضفاء الثبوت عليهما.

أضف الى ذلك، الانفجار الذي حصل في السنوات الخمس الأخيرة في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي حوّل الداتا الشخصية للمستخدمين إلى أكثر سلعة مربحة بشكل يفوق أرباح شركات النفط العالمية. هذه القفزة خلقت طفراتٍ في سوق العمل وأدت إلى انقراض بعض الوظائف والمهن وحصول تغيرات في الحاجات النفسية وتغيرات في مجموعة المهارات التي يحتاجها الإنسان لحياة ناجحة، إذ لم يعد هناك حاجة ماسة لحفظ المعلومة بل أصبحت الحاجة أكبر لتعلّم البحث عن المعلومة أو عرضها!

2- نعيش اليوم بدء حركة سيولةٍ واضمحلالٍ للتعريفات الصلبة.
في الماضي كنا إذا أردنا أن نبني اقتصادًا ناجحًا فإننا نمثّله ببناء مركّب من مكعبات صلبة ومعروفة الحدود. ولا ينحصر ذلك بالمهن، بل يمتدّ إلى كل دور عمومًا: كانت العلوم تخزن في مكان خاص اسمه مكتبة عامة أو خاصة ينبغي الانتقال إليه للمطالعة والدراسة؛ كان الهاتف أداة اتصال حصرًا؛ كانت الزوجة والأم تحمل دورًا وتعريفًا محددًا كافيا لجعلها ناجحة؛ كان القميص ثوبًا لا أكثر؛ كان المبرمج مبرمجًا لا أكثر. أما اليوم فالهاتف هو أداة اتصال بقدر ما هو أداة ترفيه أو عمل أو جهاز متعدد التطبيقات بلا حدود. اليوم قد يرى الزوج زوجته أُمًا تنجب الأطفال وقد يرى فيها أدوارًا مختلفة بحسب اهتماماته؛ فقد يحتمل أن تكون عالمة أو شريكة في نضاله الاجتماعي أو صديقة يتسكّع معها كما يفعل وأصدقاءه أو معلّمة تهتم بتعليم الأطفال في المنزل. اليوم قد يكون القميص مجرد ثوب جميل للزينة وقد يكون واجهة للإعلانات الدعائية ومساحة للتعبير السياسي (عبر بعض الشعارات). اليوم أتابع شخصيًا مع عدة ملايين من المتابعين قناة يوتيوب لحدّادٍ ماهرٍ لا يتجاوز عمره العشرين سنة، يصقل سيوفًا وخناجرَ في مخرطته وفرنه. هذه القناة هي أداة ترفيه وتسلية في الوقت الذي تلعب فيه دور المعلّم والمثقّف. في الماضي كنتَ إذا أردت أن تكتب مقالًا في السياسة أو تلعب دورًا إعلاميًا فيجب عليك التدرّج في الإعداد لهذا الدور ضمن قنوات تقليدية (تدرس الإعلام مثلًا) وتلجأ إلى منصات محددة الدور (الصحيفة والإعلام المرئي مثلًا)، واليوم نرى أن أهم مُحاوِر متنوع المواضيع في العالم ويعتبر ذا تأثير على الساحة الفكرية هو Joe Roganالمعلِّق الرياضي الذي بدأ بقناة يوتيوب تستقبل شخصيات من كل أنواع المهن والأدوار ليصل إلى إجراء مقابلات تمتد لثلاثة ساعات في السياسة والفن والرياضة والفكر والعلم.
لقد أُسّس الفايسبوك ليكون أداة تواصل اجتماعي لكننا نراه اليوم منصة دعائية وسياسية وفكرية ورياضية، وصار أيضًا منصة تحكّم اجتماعي! يحدث اليوم أنّ مبرمجًا مثل مارك زوكربرغ مع مبرمج آخر هو بيل غيتس يصبحان مهندسَين لشكل الحياة الاجتماعية وبالتالي السياسية فقط لنجاحهم كمبرمجَين!!
اليوم بات معلومًا في شركات التكنولوجيا العالمية بأن الشهادة الجامعية ونوع الاختصاص لا يهمّان في التوظيف، عليك فقط أن تثبت أنك مؤهلٌ للقيام بالدور وقادر على تعلّم أدوار جديدة وتنفيذها وأنك مبدع. ولنا أن نملأ صفحات في تعداد أمثلة من مختلف قطاعات الحياة وأبعادها لنعود للخلاصة ذاتها، وهي أن: التعريفات الصلبة للأدوار لم تعد صالحة!

أهمية بناء الشخصية وتحرير التعليم
إذا أصبح مرتكز فهم الواقع غير ثابت كما بيّنا، والأدوار عمومًا، للبشر والأشياء، تغدو أقل صلابة وثبوتا مع الوقت، فعندها للمراقب أن يسأل هذين السؤالين:

1. إذا كانت كل المعلومات حول العالم متوفرة على كل هاتف حديث متصل بالإنترنت، والسوق الوظيفي غير ثابت، فلماذا يستمر النموذج التعليمي بالتركيز على تدريس المعلومة وتحفيظها دون بناء الشخصية القادرة على تعليم نفسها، وعلى طرح السؤال والبحث، وعلى التأقلم مع المتغيرات والمهارات المتجددة؟

2. إذا كانت النماذج التي تلعب أدوارًا محددة تميل للتداخل كما وضحنا في النقطة الثانية أعلاه، فلماذا الاستمرار بتجهيز جيل المستقبل من خلال نموذج معمّم صلب مسقط من منهاج الدولة (مع بعض التعديلات الطفيفة في المدارس الخاصة) وهو أشبه بـ "franchise" أو "ترخيص خاص" يصدّر لأي مدينة أو قرية كأجنبي دون أن يتولّد من طبيعتها وحاجتها؟ إذا كان نمط الحياة اليومي لا يحصر أي قيمة في إطار واحد ونموذج ومحدد فلماذا لا نحرر العلم والتعليم من مبنى ثابت اسمه مدرسة خاضع لنمط عمل وتعليم شمولي وقديم جدا؟

لم تعد الصحيفة مصدر التثقيف السياسي الأوحد، ولم تعد المكتبة الجامعية (كمكان جغرافي) الحوزة الوحيدة للمعارف والعلوم. المعرفة والتربية أيضا لن تبقى أسيرة نسق استثنائي تشكّل ليتماهى مع شكل الحياة الصناعية في القرنين الماضيين.
حين تنشئ طفلك حصرًا في مكان حيث يشاركه في الصف على الأقل عشرة أشخاص ويضطر المعلم بالتالي لانتهاج طريقة تعليم محددة سيكون من الطبيعي حينها أن تسمع الأستاذ يقول للتلميذ: الكتاب ليس للعب بل للقراءة؛ مقعد الدراسة للجلوس وليس لرسم الغرافيتي؛ بينما نرى أن أهم ابتكارات هذا العصر تكمن في استعمال أشياء في غير موردها المصممة له؛ فترى مكتبة في مقهى، ومقهى في مكتبة، وتشاهد مصممًا يستعمل أطر السيارات البلاستيكية كزينة منزلية!

نمط الحياة المتغير يتطلب شخصية مَرِنة
يقول المفكّر والمؤرخ يوفال هراري: "لا يبدو شكل العالم في سنة ٢٠٥٠ قابلًا للتوقّع، لكننا نستطيع أن نجزم أن نمط الحياة سيكون مختلفًا بشكل جذري عما نعيشه اليوم. يعدّ الإبداع والاستقرار النفسي والعقلي مرتكزان أساسيان في العملية التربوية لأنه يمكن الجزم بأن الجيل القادم سيحتاج بالحد الأدنى إلى إعادة إنتاج نفسه بشكل متكرر على مرّ الحياة. وإذا كانت الحدود التعريفية للمهن ولصاحب المهنة في الماضي ترتكز على أساسات ثابتة مثل المنزل الصخري فإن جيل الغد سيكون عليه أن يبني تصوّره لنفسه وللدور الذي يحمله على أساس شبيه بخيمة متحركة قابلة للطي والانتقال من مكان إلى مكان آخر.(1)"
إذا فالمهارات المطلوبة للنجاح في دور هو بذاته سيال وديناميكي يجب أن تكون ديناميكية ترتبط بقدرة الشخص على التأقلم وتعلّم الجديد وعلى كسر القوالب والحواجز والإبداع في التفكير. المعلومة لم تعد مشكلة أو يصعب تأمينها، فكل موسوعات العالم موجودة على هاتف ابنك. ويمكن في المستقبل وصلها بعدسة لاصقة بالعين فيستطيع مشاهدة وقراءة ما يريد برمشة عين. إن التحدي هو في صناعة شخصية نشطة غير خامدة في بحر الداتا والخيارات؛ شخصية تعرف ماذا تريد وتحسن طرح السؤال للتعلّم.
الأمر أشبه بوضع طفل في بستان، يجب أن نهتم بتعزيز شهيته للفاكهة، أن نعلّمه تسلّق الشجر والقطف الصحيح للثمار، إن وقع مرة لا نجلب له الفاكهة ولا نقطعها له فلديه أسنان، نعينه لينمّي ذوقه الخاص فيختار الفاكهة التي يرغب ويبدع سلطته الخاصة.
ستكون المعلومة سهلة المنال في المستقبل، وسيتمكن ابن القرية النائية من متابعة محاضرات جامعية في جامعة هارفرد، لكن التوفر المطلق والمجاني للمحتوى العلمي، نافعا كان أو غير نافع، يخلق مشكلة يكمن علاجها في تدريب المتلقي على ضبط توجهه المعرفي وعدم التشتت أمام المحتويات المتنوعة التي تعرض أمامه بهدف جعله موصولًا بالشبكة (online) ومتصلًا بالمواقع الالكترونية لمدة أطول لما في ذلك من ربح مادي للموقع. وعندها ستكون حاجة أي طفل لمؤسسة تعليمية قائمة على أساس قدرتها على توفير حلول للمشكلات والحاجات المستجدة، وليس لإعادة تقديم معلومات متوفرة مجانًا وبطرق أكثر إبداعًا على الانترنت. إن ما يسمى بالـ meta learning أو تعليم التعلّم هو أمر سيصبح ملحًّا!

المدرسة المعاصرة نموذج مكبّل
إن القدرة على إعادة انتاج الذات بصورة متكررة هو أمر يتطلب توفير أجواء تربوية خاصة. وهنا لا بدّ من الإضاءة على نقطة ضعف النموذج المدرسي الحالي من الناحية البنيوية.
إن المدرسة أشبه ما تكون بمنتج معلّب ومصمم ليكون قابلًا للنشر والتصدير (أشبه بسلسلة مطاعم) على أوسع نطاق. تمثّل المدارس الرسمية نسخًا متطابقة في كل المناطق، وهي مستوحاة من بنية مستوردة لشكل المدرسة. أما المدارس الخاصة فهي بدورها إعادة إنتاج للمدارس الرسمية مع بعض التعديلات الطفيفة والتي لا تمس البنية والجوهر. تتبنى المدرسة المعاصرة نموذجًا صلبًا ورماديًا (أي تحمل اللون الذي يمكن أن يتلاءم مع أكبر عدد ممكن من الطلاب). وتكمن مشكلتها في أنها تريد تحديد ما يجب تعلّمه عند الطفل النمطي الافتراضي (average child ونقصد به الشخص الذي يحمل مواصفات تساوي معدل الإحصاءات وهو غير متحقق في الخارج) وتعميمه للجميع. بالإضافة، فإن المناهج التربوية عادة ما تكون بطيئة ولا تواكب سرعة التحولات الاجتماعية. المدارس الخاصة، ورغم تفلتها أحيانا من عقال المنهاج الرسمي والطريقة التدريسية المتبناة في الدولة، يصعب عليها الخروج تمامًا عن فضاء الدولة ومنهجها. وفي المقابل يصعب تعميم فكرة التعليم المنزلي ما لم تتغير بنية الحياة المنبثقة عن الدولة المدنية.

الأسرة في النموذج الرأسمالي
في الدولة المدنية تشكل الأسرة الصغيرة الخلية الأساس للدولة فلا سلطات وسيطة بين الأسرة والدولة. وذلك أن البنية الاجتماعية في كنف الدولة الصناعية الحديثة تدفع بالمواطن أو الأسر لتتحول إلى آلة إنتاجية متخصصة وتقوم مؤسسات النظام بتغطية حاجات هذه الخلية الإنتاجية؛ حيث يتوجه نموذج الأسرة في البيئة المدنية الحديثة إلى جعلها وحدة إنتاجية ينتج عنها دور اقتصادي متخصص (مهنة) وإنجاب أطفال كجزء من عملية التنمية الديمغرافية أيّ أنهم بطريقة أخرى يعيشون العقد الاجتماعي الحديث للدولة بكامله. في المقابل تغذى هذه الوحدة الإنتاجية (الأسرة) بالمال الذي بدوره يستعمل لتأمين كل احتياجات الأسرة في سبيل أداء دورها ضمن الثقافة الرأسمالية الصناعية. في النموذج الأكثر تعبيرا للرأسمالية ترى الوالدين يعملان بدوام كامل ويوضع الطفل من عمر أشهر في الحضانة. وتكون أغلب المأكولات إما جاهزة من المطعم أو شبه جاهزة من معلبات السوبرماركت. أما الترفيه فأغلبه لا يعتمد على الأهل بل على مواد ترفيهية تعدها شركات متخصصة وتصل ليد طفلنا عبر التلفاز أو الانترنت، فبدل أن يروي الأهل قصة قبل النوم للطفل مثلًا، يوكلون المهمة إلى حلقة كرتونية عبر التلفاز والتي يمكن تعريفها، أي المادة الترفيهية، بقصة قائمة على التعبير المرئي أعدته شركة خاصة تبغي الربح. إن التربية والتعليم هما أول من غادر كنف العائلة ضمن مسار التمدن الرأسمالي.
إنه لمن الضروري فهم نموذج الأسرة ضمن التصور الرأسمالي في الغرب لأجل فهم جذور الكثير من الظواهر الاجتماعية والثقافية في بلادنا المتأثرة حضاريًا بالغرب، وقد عرضنا أعلاه المصداق الأنقى للتصور الرأسمالي للمجتمع والأسرة. هذا النموذج قد يصدّر بشكل متفاوت وبوتيرة مختلفة للمجتمعات حسب ظروفها وسط صراع مع الثقافات المحلية المتجذرة والمنبثقة من الأديان السماوية. فالنموذج المقابل الذي أسّست له الأديان السماوية يؤسس لعائلات كبيرة، متراحمة، ومتضامنة في كل شؤون الحياة، ومنها التربية والتي بدورها تشكل حاضنة أساسية لتمكين الأهل من استرداد زمام العملية التربوية في أسرهم.

نحو استعادة مركزية الأسرة في التربية والتعليم
إن الاعتماد الكامل على النظام التعليمي العقيم الحالي يستحيل أن يجاري التحولات السريعة في عصرنا. في المقابل، فإن التحولات التي تأتي مع الانترنت والذكاء الاصطناعي ستفرض على الأهل أن يستعيدوا مركزية القرار والتخطيط وأن يمسكوا بأيديهم زمام عملية التربية وإدارتها بكل أبعادها الروحية والثقافية والتعليمية، وذلك في وجه النموذج السائد القائم على تفكيك المسؤولية وتفويضها لمؤسسات خارجة عن العائلة، عادة ما تكون تابعة للدولة والسلطات المحلية (المدرسة، الأحزاب، الكشاف، الأندية، إلخ). فهذه المؤسسات يجب أن تشكّل موارد متاحة للأسرة، المسؤولة عن التربية والتعليم، يستفيد منها الأهل ضمن رؤيتهم وظروفهم وقدراتهم.

قد يبدو للقارئ أن مجموعة الأفكار المطروحة لا تعدو كونها نظريات جميلة ومثالية يصعب تطبيقها على أرض الواقع. في المقال القادم نسعى إلى إنفاذ هذه النظريات في تطبيقات عملية يمكن لأي أسرة مهتمة، مهما اختلفت ظروفها وإمكانياتها، أن تستفيد منها. سوف نتناول أهم المهارات والعلوم التي يحتاجها أبناؤنا للمستقبل مع التركيز على نموذج العائلة في بلادنا العربية ضمن طرح عملي مرن قابل للتطبيق.



1. في مقابلة له مع شركة غوغل في ندوة فكرية حول كتابه '٢١ درس للقرن ال ٢١'
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

أحمد شمس الدين، متخصّص في الهندسة المعلوماتية

الكاتب

فدوى فرحات شمس الدين، ماجستير دراسات حول الطفل