تاريخ العلم وهدف المؤسسة المدرسية

البوصلة/ المدرسة النموذجية

أحمد شمس الدين، متخصّص في الهندسة المعلوماتية، فدوى فرحات شمس الدين، ماجستير دراسات حول الطفل
التعليم: مدخل إلى فهم السياقات الزمنية في تبلور النموذج

مفهوم التعليم:
يهدف هذا المقال إلى نقل القارئ من نظرة جامدة للتعليم وآلياته إلى نظرة سيالة تفهم التعليم كحركة تاريخية تتبدل معالمها حسب المتطلبات الظرفية والاجتماعية.
نعتقد أنه من الضروري تحرير مفهوم التعليم من النظرة الجامدة قبل خوض أي نقاش حول بدائل عن النظام المدرسي الذي ساد في القرن الأخير.
يشتبه البعض أن ظاهرة التعليم هي ظاهرة حديثة بدأت مع تشكّل المدرسة المعاصرة، ولكن ظاهرة التعليم والتعلّم ظاهرة قديمة منذ فجر التاريخ. ولقد مرّت هذه الظاهرة بأطوار ومراحل تناسبت مع شكل المجتمع واحتياجاته.

تبلور ظاهرة التعليم:
في المجتمع القديم، كان كل فرد في المجتمع يلعب دور المعلم، وكل المحيط كان يشكل مادة تعليمية.
مع التطور والتقدّم الذي لحظه المجتمع عبر التاريخ، ازدادت كمية المعلومات اللازم نقلها وتعليمها للأجيال بشكل ملحوظ، وفاقت قدرة كل شخص على احتوائها، لذا تحوّل مركز التعليم من العائلة وأفراد المجتمع إلى أشخاص متخصصين يعلّمون مجموعة كبيرة من الأولاد لتصبح العملية التعليمية فعالة وسهلة. وهكذا ولدت فكرة المدرسة.
بيتر غراي (Peter Gray)، الباحث الأمريكي والمعلم في جامعة بوسطن، يعتبر أنه لا يمكن فهم المدرسة إلا من خلال السياق التاريخي لنشوئها. لقد بحث بيتر غراي طويلًا في هذا المجال واستنتج أن الأطفال منذ القدم كانوا يعلّمون أنفسهم عبر الاكتشاف واللعب الذاتي.
مع التطور الزراعي والصناعي بات الهدف تربية جيل عامل جادٍّ يكدّ لساعات طويلة في العمل، فتمّ كبح إرادة الأولاد وحريتهم في الاكتشاف واللعب. لقد اعتبر أرباب العمل أن المدرسة وسيلةٌ لتخريج عمّال، دقيقين في مواعيدهم، ملتزمين بالقوانين، ويتحمّلون ساعات طويلة من العمل المضني.
يضاف إلى هؤلاء، المجدّدون الذين يكترثون حقًا للأطفال، الذين ينظرون إلى المدرسة كمكان لحماية الأطفال من القوى والعوامل السلبية في المحيط الخارجي، وكمكان لتزويدهم بأرضية ذهنية وأخلاقية ليصبحوا بالغين مستقيمين وكفوئين.
المشترك بين الفئتين هو تحديدهم لما يجب أن يدرسه الطفل ويتعلّمه. تدريجيًا، استُبدِل العمل الميداني والأعمال المنزلية بالمدرسة، فمُلئ وقت الطفل بساعات المدرسة والفروض ما بعد المدرسة. ومع الوقت، صارت المدرسة تُعرّف حياة الطفل وتنظّمها، وبات الطفل يُعرَّف بدرجته في المدرسة بقدر ما أصبح البالغ يُعرَّف بمهنته ووظيفته.

التعليم المنهجي(formal education) وغير المنهجي(informal education) :
إذا استعرضنا المراحل التاريخية لعملية التعليم وأطوارها نلاحظ أنه يمكن تقسيم التعليم إلى أسلوبين أو نوعين هما: تعليم منهجي وتعليم غير منهجي.

التعليم المنهجي يشمل التعليم النظامي والتعليم غير النظامي. التعليم النظامي هو التعليم الذي يتلقاه المتعلمون في المدرسة وغالبًا ما يعرف بالتعليم المدرسي. التعليم غير النظامي هو التعليم الذي يحصل في بيئة تعلم رسمية ولكن ليس تحديدا ضمن إطار المدرسة كتعليم السباحة أو التعليم ضمن إطار الكشاف.
هناك عدة عوامل أدت إلى منهجة التعليم منها:
- تطوّر العلوم والتخصصات
- تبدّل شكل المجتمعات الحديثة والدولة الحديثة
- تحوّل دور الأهل بشكل تدريجي إلى يد عاملة بدوام كامل مما قلّص من قدرتهم على المساهمة في التربية والتعليم.
- توليد الثورة الصناعية باقة من المهارات والمتطلبات العلمية المطلوب توفرها عند المواطن المنتج في هذه المجتمعات الصناعية وغير المتوفرة عند الجيل السابق مما زاد من الحاجة إلى طرف ثالث يتولى ردم الهوة.

التعليم غير المنهجي أو غير الرسمي هو التعليم الناتج عن أنشطة الحياة اليومية، وفي أغلب الأحيان يكون غير مقصود. وهو إن كان الآن ينطبق على المعارف غير العلمية (الهوايات، المهارات الشخصية...)، إلا أنه في الماضي كان يشمل أغلب أنواع العلوم، وكانت صفة المعلم فيه صفة عامة تنطبق على أي شخص يقوم بنقل تجربته، حيث لا يوجد منهج صارم محدّد مسبقًا يعمّم على الجميع. في هذا النوع من التعليم يتحدّد نوع الخبرات والمعلومات التي يكتسبها الشخص بحسب ظروفه وحاجاته الشخصية. وعلى سبيل المثال يكون لدى ابن البحار اهتمام بالجغرافيا وعلم الفلك، بينما تتركّز اهتمامات ابن القبيلة المحاربة في الحدادة أو فنون الحرب.
ولقد كانت دائرة هذا العلم غير الممنهج أوسع فيما مضى، أما اليوم فقد بقي منها دائرة ضيقة، هي بمثابة مجموعة من المهارات الشخصية التي يكتسبها الشخص خارج المدرسة المعاصرة وضمن ظروف مجتمعه الخاص، تمامًا كأي شاب يعيش في منطقة ساحلية يعتاش أهلها على صيد السمك، ويكون لديه معلومات عن بيئة البحر وأنواع الأسماك وتأثر السمك بالتلوث. هذا النوع من العلم النافع والمفيد يأتي خارج إطار التعليم الممنهج. وتنضبط عملية التعليم غير الممنهج ضمن دائرة الأعراف والعادات، ولا تتقيد بقوانين الدولة الحديثة (لا ينخرط القانون والدولة في تنظيم هذا النوع من التعلّم).

الخطورة في النموذج القائم:
عندما تُفَوَّض المهمة التعليمية التي كانت ضمنية عند العائلة والقبيلة إلى جهة تعمل على نطاق أوسع بكثير كالدولة، ويكون دافعها بشكل رئيسي هو إنشاء مواطن منتج، سوف تتحول عملية التعليم إلى مسار ممنهج، جامد، معمَّم لا يلحظ الفروقات الثقافية والبيئية والذهنية والفردية، أحادي، ويتوجه بشكل عام إلى الإنسان الافتراضي (average person ونقصد به الشخص الذي يحمل مواصفات تساوي معدل الإحصاءات وهو غير متحقق في الخارج) الذي يخدم الأهداف الصناعية لهذه الدول.
وهكذا لم تعد حركة العلم حركة تفاعلية بل حركة محددة الأهداف مسبقا. وإذا أردنا تشبيه هذه الحركة في مقابل الحركة التفاعلية يمكننا القول بأنها أشبه ما تكون بشخص قد تحددت من الآن لعشر سنوات قادمة وجباته الغذائية في مقابل إنسان يدخل إلى بستان ويختار من ثمره معتمدًا على الحاجة والشغف والذوق والنموذج النهائي.

النموذج المتفوّق:
هذا النموذج الحاضر المتوفر في زمننا الحالي ليس النموذج النهائي الجامد للتعليم، بل هو ظاهرة ما تزال متحركة حسب التحوّلات الاجتماعية الكبرى، ولذا من الخطأ تقييد المفهوم بالمصداق الحالي أو الظرفي.
إن أي تصور جامد لواقع شديد التحرّك والتبدّل سيؤدي بصاحبه إلى الضمور والتخلّف عن حاجاته والعجز عن مواكبة متطلبات عصره. إن النموذج التقليدي المتوفر الآن لا يمكن أن يجاري حاجات المجتمع الحديث المتسارعة. هناك نماذج أخرى للتعليم يمكن أن تتناسب أكثر مع طبيعة حاجات عصرنا. هذا ما سنتناوله في الجزء الثاني من المقالة.
تُظهر قراءة التاريخ أن النظام التعليمي يتأثر بشكل مباشر بشكل الحياة الاجتماعية والأنظمة السياسية، ولهذا فإن المجتمع الذي يتمكّن أفراده من انتخاب الأسلوب التعليمي الأقدر على التماهي مع شكل الحياة في زمن اللامركزية والذكاء الاصطناعي هو الذي سيتفوّق.


المراجع:
Education. (2020, November 09). Retrieved November 14, 2020, from https://www.britannica.com/topic/education

Gray, P. (2008, August 20). A Brief History of Education. Retrieved November 14, 2020, from https://www.psychologytoday.com/us/blog/freedom-learn/200808/brief-history-education

Smith, M. K. (2019, October 19). Informal non-formal and formal education - a brief overview of some different approaches. Retrieved November 14, 2020, from https://infed.org/mobi/informal-non-formal-and-formal-education-a-brief-overview-of-some-different-approaches/

Why Was School Created? (n.d.). Retrieved November 14, 2020, from https://wonderopolis.org/wonder/why-was-school-created
التعليقات
صورة المستخدم
1500 حرف متبقي

الكاتب

أحمد شمس الدين، متخصّص في الهندسة المعلوماتية

الكاتب

فدوى فرحات شمس الدين، ماجستير دراسات حول الطفل